محمد حسين هيكل
224
حياة محمد ( ص )
انتقل راجعا إلى ناحية مكة وأغذّ السير مسرعا حتى بلغ منازل بني لحيان بعران . لكن قوما رأوه أوّل انحداره إلى الجنوب فعرف منهم بنو لحيان قصده إيّاهم ، فاعتصموا برؤس الجبال هم ومتاعهم . وفات النبيّ أن يصيبهم ، فبعث أبا بكر في مائة راكب حتى بلغوا عسفان على مقربة من مكة . ثم كرّ رسول اللّه قافلا إلى المدينة في يوم قائظ بلغ من قيظه أن كان النبيّ يقول : « آئبون تائبون إن شاء اللّه لربنا حامدون . أعوذ باللّه من وعثاء السفر وكآبة المنقلب وسوء المنظر في الأهل والمال » . غزوة بني قرد ولم يكد محمد يقيم بالمدينة ليالي بعد أوبته إليها حتى أغار عيينة بن حصن على أطرافها ، وكان بظاهرها إبل ترعى يحرسها رجل وامرأته فقتل عيينة وأصحابه الرجل وساقوا الإبل واحتملوا المرأة وانصرفوا يحسبون أنهم من اللّحاق بمنجاة . لكن سلمة بن عمرو بن الأكوع الأسلمي قد غدا يريد الغابة متوشحا قوسه ونبله ؛ فلما مرّ على ثنيّة الوداع وأشرف على ناحية من سلع ، وأبصر القوم قد اقتادوا الإبل واحتملوا المرأة ، فصاح : واصباحاه ! وجعل يشتدّ في أثر القوم حتى إذا اقترب منهم رماهم بالنبل ، وهو في أثناء ذلك لا ينفك يصيح . وبلغ محمدا صياح سلمة . فنادى في أهل المدينة : الفزع الفزع ؛ فترامى الفرسان إليه من مختلف النواحي ، فأمرهم فانطلقوا في أثر القوم ، وجهز هو قوّاته وسار على رأسها يتبعهم حتى نزل بالجبل من ذي قرد . كان عيينة ومن معه قد أغذّوا السير مسرعين يريدون اللحاق بغطفان نجاة من المسلمين . ولكن فرسان المدينة أدركوا مؤخّرتهم واستخلصوا شطر الإبل منهم ولحق بهم محمد فأعانهم ؛ ونجت المرأة المؤمنة التي كان العرب قد احتملوها . وأراد جماعة من أصحاب النبي أخذت منهم الحماسة كل مأخذ أن يتأثروا عيينة ، فردّهم رسول اللّه ، أن علم أن عيينة وأصحابه قد أدركوا غطفان واحتموا بهم . ورجع المسلمون إلى المدينة ، وجاءت امرأة الحارس في آثارهم على ناقة المسلمين . وكانت المرأة قد نذرت إن أنجتها الناقة لتنحرنّها قربانا إلى اللّه ، فلما أخبرت النبي بنذرها قال : « بئس ما جزيتها أن حملك اللّه عليها ونجّاك بها ثم تنحرينها . إنه لا نذر في معصية اللّه ولا فيما لا تملكين » . غزوة بني المصطلق وأقام محمد بالمدينة بعد ذلك قرابة شهرين . ثم كانت غزوة بني المصطلق بالمريسيع ، هذه الغزوة التي يقف عندها كل كاتب وكل مؤرّخ لسيرة النبيّ العربيّ ؛ لا لأنها غزوة ذات قيمة ، أو لأن المسلمين أو عدّوهم أبلوا فيها بلاء خارقا للعادة ، بل لأن الشقاق كاد يفشو بعدها في صفوف المسلمين ، فحسمه الرسول بأحسن ما يكون عزيمة وحزما ، ولأن من أثرها أن تزوّج الرسول من جويرية بنت الحارث ، ولأن هذه الغزوة أثمرت حديث الإفك عن عائشة حديثا كان موقفها منه ، وهي لمّا تزل في السادسة عشرة ، موقف إيمان وقوة تحطّمت على جنباتهما وعنت لجلالهما كل الوجوه . فقد بلغ محمدا أن بني المصطلق ، وهم فرع من خزاعة ، يجتمعون في حيهم على مقربة من مكة ، وأنهم يحرّضون عليه يريدون قتله وعلى رأسهم قائدهم الحارث بن أبي ضرار . ووقف محمد من أحد البدؤ على سرّ جمعهم فأسرع في الخروج ليأخذهم على غرّة ، كعادته في أخذ أعدائه . وجعل لواء المهاجرين لأبي بكر ، ولواء الأنصار لسعد بن عبادة . ونزل المسلمون على ماء قريب من بني المصطلق يقال له المريسيع ، ثم أحاطوا ببني المصطلق ففرّ من جاؤوا لنصرتهم . وقد قتل من بني المصطلق عشرة ولم يقتل من المسلمين إلا رجل يقال له هشام بن صبابة ، أصابه رجل من الأنصار وهو يحسبه خطأ من العدو . ولم يجد بنو المصطلق ، بعد قليل من